أزمة الكفاءة المتنامية في إدارة المرافق

Archive

أزمة الكفاءة المتنامية في إدارة المرافق

يُعد تأهيل القوى العاملة في قطاع إدارة المرافق أحد أبرز التحديات التي نواجهها اليوم. ومن بين العديد من القضايا الداخلية التي يواجهها القطاع، أعتبر هذه القضية أهم فجوة قائمة. فأنا أشهد يوميًا أزمات متصاعدة، تتراوح بين تصعيدات العملاء وارتفاع التكاليف، نتيجة انخفاض الإنتاجية، وأوجه القصور في الامتثال، والإخفاق في تطبيق أفضل الممارسات.

ومع ازدياد تعقيد إدارة المرافق واعتمادها على التقنيات الحديثة والتركيز على الأداء، يواجه القطاع تناقضًا متزايدًا يتمثل في أن تطور الأصول وتوقعات العملاء يسير بوتيرة أسرع من تطور كفاءة القوى العاملة وإنتاجيتها.

ولا تقتصر المشكلة على نقص في الأيدي العاملة أو فجوة في مهارة معينة، بل هي عجز في القدرات يرتكز أساسًا على ثلاثة إخفاقات مترابطة.

يبدأ الإخفاق الأول من منظومة التعليم، لا سيما في مجالي التعليم الفني والمهني. ففي العديد من الاقتصادات النامية، يُكمل الشباب سنوات من الدراسة دون اكتساب المهارات الأساسية أو الفنية أو مهارات حل المشكلات بالقدر الكافي. وتشير تقديرات البنك الدولي وغيرها من الجهات إلى وجود فجوة كبيرة في نواتج التعلم القائمة على المهارات، والأكثر إثارة للقلق أن هذه الفجوة تعود إلى ضعف الكفاءات. وتعكس هذه المؤشرات أوجه قصور أعمق في جودة المعلمين، وتقادم المناهج الدراسية، وضعف البنية التحتية التعليمية، ومحدودية التوجه نحو التعليم المهني، في وقت يشهد فيه قطاع البيئة العمرانية تحولًا كبيرًا أصبحت فيه الكفاءات أكثر أهمية من أي وقت مضى.

وفي سياق إدارة المرافق في دول مجلس التعاون الخليجي، نرث هذا التحدي من كلا الجانبين. فجزء كبير من القوى العاملة في الصفوف الأمامية يأتي من أنظمة تعليم وتدريب في جنوب آسيا وغيرها من الدول المصدرة للعمالة، في حين لا تزال مسارات التعليم والتدريب المهني المحلية في طور التطور. ونتيجة لذلك، يصل العديد من المرشحين حاملين شهادات، لكنهم يفتقرون إلى الإتقان الحقيقي للمهنة، والإلمام بالتقنيات الرقمية، ومهارات التواصل، والوعي بالسلامة، وثقافة تقديم الخدمة.

أما الإخفاق الثاني فيكمن في أساليب استقطاب وتوظيف هذه الموارد البشرية داخل قطاع إدارة المرافق. فكثير من الشركات توظف بناءً على الحاجة الملحة أو انخفاض التكلفة، وليس بناءً على الكفاءة المثبتة. وغالبًا ما تُعتبر السير الذاتية، والشهادات المهنية، وسنوات الخبرة دليلًا على القدرة، رغم أنها لا تثبت ذلك دائمًا. فعلى سبيل المثال، تشمل المهارات الأساسية التي يجب أن يمتلكها الفني القدرة على تشخيص الأعطال، واتباع إجراءات العمل، واستخدام أنظمة إدارة المرافق المحوسبة، والتواصل مع العملاء، والعمل وفقًا لمعايير السلامة، إلا أنني كثيرًا ما أجد هذه المهارات مفقودة.

ويؤدي عدم التوافق بين المهارات المطلوبة والمتوفرة إلى إضعاف الإنتاجية، والقدرة التنافسية، وإمكانات الشركات في تبني الخدمات والتقنيات الحديثة، خاصة في ظل التحولات الكبيرة التي يشهدها قطاع إدارة المرافق، حيث أصبحت الكفاءات والمهارات العامل الرئيسي للتميز. ومع ذلك، لا يزال كثير من أصحاب العمل يعتمدون على مقابلات غير رسمية، واختبارات مهنية سطحية، وبرامج تعريفية محدودة. وقد يسهم التوظيف منخفض التكلفة في سد الشواغر مؤقتًا، لكنه ينقل التكلفة الحقيقية إلى إعادة تنفيذ الأعمال، وتعطل المعدات، وزيادة الحاجة للإشراف، وارتفاع الحوادث، وتراجع تجربة العملاء، وانخفاض العمر الافتراضي للأصول.

أما الإخفاق الثالث فيتمثل في ضعف الإشراف والبنية التحتية للخدمة. فحتى الموظف المؤهل لن يكون منتجًا إذا تم تكليفه بالعمل دون إجراءات تشغيل قياسية واضحة، أو أدوات، أو مواد، أو تخطيط، أو بيانات، أو تقنيات، أو قيادة ميدانية كفؤة.

ولطالما أكدت أن المشرف هو الحلقة القيادية الأكثر أهمية في إدارة المرافق، فهو من يحول متطلبات العقد إلى أداء يومي. وعندما يفتقر المشرف إلى العمق الفني، والقدرة على التخطيط، ومهارات إدارة الأفراد، تتدهور سلسلة تقديم الخدمة بأكملها.

وأتفق على أن إيجاد حل شامل لمشكلة منظومة المهارات يتجاوز قدرة قطاع إدارة المرافق وحده، إلا أن القطاع بحاجة إلى تبني نهج منهجي خاص به لمعالجة احتياجاته، بدلًا من انتظار حلول للمشكلات الخارجة عن نطاق سيطرته.

أولًا، ينبغي على شركات إدارة المرافق التحول من التوظيف القائم على المؤهلات إلى التوظيف القائم على الكفاءات. فيجب أن يكون لكل وظيفة إطار كفاءات محدد يشمل الجوانب الفنية، والسلامة، والمهارات الرقمية، والسلوكية، وخدمة العملاء، مع إخضاع المرشحين لاختبارات عملية، وسيناريوهات محاكاة، وآليات تقييم منظمة قبل مباشرتهم العمل.

ثانيًا، ينبغي على الشركات إنشاء أكاديميات تدريبية ومسارات تعليمية معتمدة لكل وظيفة. ويجب ألا يقتصر التدريب على برنامج تعريفي يُنفذ مرة واحدة، بل يشمل التقييم، والتدريب العملي تحت الإشراف، وإصدار الشهادات، والتدريب المستمر، ومسارات واضحة للتطور من مساعد فني إلى فني، ثم مشرف، ثم مدير.

ثالثًا، يجب الارتقاء بمستوى الإشراف المهني. إذ يحتاج المشرفون إلى التدريب على التخطيط، وقياس الإنتاجية، والتوجيه، وضبط الجودة، والسلامة، واستخدام أنظمة إدارة المرافق المحوسبة، والتواصل مع العملاء. كما ينبغي قياس أدائهم ليس فقط من خلال الحضور وإنجاز المهام، بل أيضًا من خلال معدلات الإصلاح من أول مرة، وتقليل إعادة العمل، وتقليل فترات التوقف، ورضا العملاء، وتطوير فرق العمل.

وأخيرًا، تحتاج المؤسسات إلى نظام تشغيلي داعم. فالمؤسسة الدولية لتوحيد المقاييس (الأيزو) تنظر إلى إدارة المرافق باعتبارها نظامًا إداريًا يهدف إلى تقديم الخدمات بفعالية وكفاءة لدعم أهداف المؤسسة. ولطالما أكدت أن الكفاءة وحدها لا تتحول إلى إنتاجية ما لم تُدعَم بإجراءات موحدة، وأدوات مناسبة، وأوامر عمل رقمية، ومستويات خدمة واضحة، وبيانات أداء موثوقة.

وفي الختام، فإن القطاع لا يحتاج فقط إلى المزيد من العاملين، بل يحتاج إلى كوادر أكثر كفاءة، تركز على متطلبات الوظيفة، وتوظيف أكثر ذكاءً، وإشراف أقوى، وأنظمة تشغيل فعالة لضمان تحقيق الأداء المطلوب. ويبقى شعاري الدائم: “أن الإنتاجية لا تتحقق بدفع الأفراد للعمل بجهدٍ أكبر، بل تتحقق بجعلهم أكثر كفاءة، وتوفير قيادة أفضل لهم، وتمكينهم بشكلٍ صحيح.”

Scroll to Top