التحول المتزايد نحو طلبات العروض المعتمدة على المدخلات في إدارة المرافق: هل نحن نعالج المشكلة الصحيحة؟

Archive

التحول المتزايد نحو طلبات العروض المعتمدة على المدخلات في إدارة المرافق

في السنوات الأخيرة، برز توجه ملحوظ في قطاع إدارة المرافق يتمثل في ابتعاد العملاء تدريجيًا عن نماذج الشراء القائمة على المخرجات والنتائج، والعودة إلى طلبات عروض تعتمد بشكل كبير على المدخلات والموارد. ويُعد هذا التوجه غريبًا على مفهوم الإدارة المتكاملة للمرافق، كما أنه يقوض المبررات الأساسية التي تدفع العملاء للانتقال من نماذج التشغيل والصيانة التقليدية إلى نماذج إدارة المرافق الحديثة. فبدلاً من أن تركز المواصفات على نتائج الخدمات، وأداء الأصول، وتجربة المستخدم، والمرونة التشغيلية، أصبحت تهيمن عليها متطلبات تفصيلية تتعلق بأعداد العاملين، والهياكل الوظيفية، وتكرار المهام، وساعات الحضور، وآليات التنفيذ المحددة مسبقًا، مما يتعارض مع جوهر إدارة المرافق القائم على تحقيق النتائج.

للوهلة الأولى، قد يبدو هذا التحول منطقيًا إذا كان يحقق خفضًا للتكاليف، إلا أن التحليلات طويلة الأجل تُظهر أن هذا النهج نادرًا ما يحقق أهدافه. وأتفهم تمامًا أن العملاء يواجهون ضغوطًا متزايدة للسيطرة على التكاليف، وتحسين مستوى الشفافية، وضمان الامتثال، وتقليل المخاطر التشغيلية الناتجة عن ضعف الثقة بسبب تجارب سابقة مع بعض مقدمي الخدمات. ومع ذلك، فإن هذا التوجه قصير النظر، وقد أثبتت التجارب مرارًا أن القيمة الحقيقية لإدارة المرافق تتلاشى في البيئات التي تركز على المدخلات بدلاً من النتائج. ويبقى السؤال الأهم: هل نحن نعالج المشكلة الصحيحة؟ أم أن العملاء يحاولون فرض مزيد من السيطرة من خلال خلق شعور وهمي بالتحكم داخل مؤسساتهم؟

لماذا يتجه العملاء نحو العقود المعتمدة على المدخلات؟

رغم أنني أتفق بأن هذا التوجه لم يأتِ من فراغ، إلا أنه مدفوع بعدة مخاوف مشروعة، من أبرزها:

١.عدم اتساق مستوى الخدمة

تعاني العديد من المؤسسات من تفاوت في جودة الخدمات المقدمة من شركات إدارة المرافق. ففي بعض الحالات أدى التسعير المنخفض بشكل مبالغ فيه، وضعف الإشراف، وسوء توزيع القوى العاملة إلى فجوة في الثقة بين العميل ومقدم الخدمة. وعندما تفشل النتائج المتوقعة، يلجأ العملاء بطبيعة الحال إلى فرض سيطرة أكبر على المدخلات.

 ٢.سهولة قياس الموارد مقارنة بقياس النتائج

غالبًا ما تجد إدارات المشتريات أن تقييم أعداد الموظفين وأنماط المناوبات وتوزيع الموارد أسهل من تقييم جودة الخدمة أو موثوقية الأصول أو تجربة المستخدم. كما أن غياب أطر ناضجة لقياس الأداء في بعض المؤسسات يجعل تطبيق العقود القائمة على النتائج أكثر صعوبة. وعندما لا يمكن قياس النتائج بدقة، يميل العملاء إلى قياس الأنشطة بدلاً منها.

 ٣. متطلبات الامتثال والحوكمة

دفعت متطلبات الحوكمة والرقابة المتزايدة العديد من العملاء إلى البحث عن شفافية أكبر فيما يتعلق بالموارد المستخدمة. وخصوصا في قطاعات مثل الجهات الحكومية والرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية الحيوية، يُنظر إلى وضوح مستويات التوظيف باعتباره وسيلة لتخفيف المخاطر.

الآثار السلبية للعقود المعتمدة بشكل مفرط على المدخلات رغم مشروعية هذه المخاوف، فإن التركيز المفرط على المدخلات يؤدي إلى نتائج غير مقصودة.

فإدارة المرافق لم تُنشأ يومًا لتكون مجرد نشاط لتوفير العمالة. بل إن هدفها الأساسي يتمثل في:

  • تحسين أداء الأصول.
  • تعزيز تجربة المستخدم.
  • ضمان استمرارية الأعمال.
  • دعم الاستدامة.
  • الحفاظ على قيمة الأصول على المدى الطويل.

وعندما تصبح العقود متمحورة حول الموارد البشرية فقط، يبتعد النقاش عن هذه الأهداف الاستراتيجية.

٤. الاستقرار التشغيلي يقلل الحاجة للموارد الإضافية

بعد انتهاء مراحل التعبئة والانتقال، تحقق عقود الإدارة المتكاملة للمرافق استقرارًا تشغيليًا يسمح بدمج الأدوار والخدمات والاستفادة من تراكم المعرفة والخبرات، مما يؤدي تدريجيًا إلى تقليل الحاجة إلى أعداد كبيرة من الموظفين دون التأثير على جودة الخدمة.

٥. إعاقة الكفاءة التشغيلية

يفترض في النماذج القائمة على النتائج أن تبحث باستمرار عن طرق أفضل لتقديم نفس النتائج أو نتائج أفضل من خلال:

  • تحسين العمليات.
  • توظيف التكنولوجيا.
  • التدريب والتطوير.
  • تحليلات البيانات.

أما العقود القائمة على المدخلات فتثبط هذه الجهود، لأن أي تخفيض في القوى العاملة يُنظر إليه على أنه تراجع في مستوى الخدمة حتى وإن تحسن الأداء فعليًا.

٦. الابتكار هو الضحية الأكبر

عندما تُلزم العقود مقدمي الخدمات بعدد محدد من العاملين وتكرار محدد للمهام، تصبح فرص تطبيق:

  • الأتمتة.
  • الروبوتات.
  • الصيانة التنبؤية.
  • المراقبة الرقمية.
  • إعادة تصميم العمليات.

محدودة للغاية.

وبالتالي يُكافأ مقدم الخدمة على الحفاظ على المدخلات بدلاً من تحسين النتائج.

المشكلة الحقيقية: تضارب الحوافز

العقد الذي يكافئ وجود الموارد بدلاً من تحقيق النتائج يخلق بيئة تصبح فيها المطابقة الشكلية أهم من الأداء الفعلي.

فتنشغل الفرق بإثبات أن المهام قد نُفذت بدلاً من إثبات أن الأهداف قد تحققت.

كما يحد هذا التوجه من قدرة شركات إدارة المرافق على الاستفادة الكاملة من التحول الرقمي، في وقت يشهد فيه القطاع تطورات متسارعة تشمل:

  • الذكاء الاصطناعي
  • إنترنت الأشياء
  • المباني الذكية
  • الروبوتات
  • الصيانة التنبؤية
  • مراكز التحكم المتكاملة

هذه التقنيات تعيد تعريف طريقة تقديم الخدمات، إلا أن العقود شديدة التقييد قد تُبقي المؤسسات أسيرة نماذج تشغيل قديمة بينما تتحمل تكاليف المستقبل.

السؤال الأهم: هل أصبح المرفق أفضل؟

ينبغي على العملاء أن يدركوا أن النماذج القائمة على المدخلات غالبًا لا تجيب عن السؤال الأكثر أهمية:

هل أصبح المرفق يعمل بشكل أفضل؟

فقد يحقق المبنى نسبة إشغال وظيفي ١٠٠% من القوى العاملة، ومع ذلك يعاني من:

  • انخفاض رضا المستخدمين
  • تراجع موثوقية الأصول
  • ارتفاع استهلاك الطاقة
  • تراكم أعمال الصيانة المؤجلة
  • تدهور تجربة بيئة العمل

وكم من العملاء يقيسون الإنتاجية الفعلية بدلاً من الاكتفاء بسجلات الحضور والانصراف؟

الحل ليس الاختيار بين المدخلات أو النتائج

لا ينبغي النظر إلى مستقبل إدارة المرافق باعتباره خيارًا بين العقود المعتمدة على المدخلات أو العقود المعتمدة على النتائج.

الحل الحقيقي يكمن في التوازن.

يجب أن يجمع نموذج الشراء الناضج في إدارة المرافق بين مزايا النهجين.

فمن حق العملاء التأكد من:

  • الحد الأدنى لمستويات الموارد
  • توفر الكفاءات الحرجة
  • الامتثال للأنظمة
  • استمرارية الأعمال

وقد يكون هناك استثناءات لبعض البيئات مثل:

  • المطارات
  • المستشفيات
  • مراكز البيانات
  • المرافق الحيوية
  • المنشآت الحكومية الحساسة

وتتطلب حدودًا دنيا من التوظيف، ولكن ينبغي أن تكون هذه الحدود بمثابة ضمانات أساسية لا معيار النجاح الرئيسي.

ما الذي يجب قياسه فعليًا؟

ينبغي أن يرتبط الجزء الأكبر من تقييم الأداء بمؤشرات قابلة للقياس، مثل:

  • جاهزية الأصول وتوافرها
  • أزمنة الاستجابة للخدمات
  • رضا المستخدمين
  • كفاءة الطاقة
  • مؤشرات الاستدامة
  • الامتثال التنظيمي
  • تقليل تراكم أعمال الصيانة
  • جودة بيئة العمل
  • الحفاظ على الأصول طوال دورة حياتها

الركائز الثلاث لعقد إدارة مرافق متوازن

١. ضمان الحد الأدنى من الموارد

تحديد واضح لمستويات التوظيف والكفاءات المطلوبة للخدمات الحرجة.

٢. الأداء القائم على النتائج

ربط مؤشرات الأداء الرئيسية بجودة الخدمة وأداء الأصول وتجربة المستخدم وأهداف الأعمال.

٣. تحفيز الابتكار

وضع آليات تكافئ:

  • رفع الإنتاجية
  • تطبيق التكنولوجيا
  • الأتمتة
  • تحسين الكفاءة التشغيلية

وفوق ذلك كله، يجب أن تبقى الحوكمة والشفافية الأساس الذي يقوم عليه العقد، من خلال تقارير واضحة، ومراجعات دورية، ومؤشرات أداء مرئية تمنح العميل الثقة دون تقييد الابتكار.

الخلاصة

بعد ما يقارب عقدين من الزمن في إدارة أكثر من مئة عقد عالمي، يمكن القول بثقة إن أنجح الشراكات في إدارة المرافق لا تُبنى على عدّ الأشخاص، بل على قياس القيمة.

فمجالس الإدارات والإدارات التنفيذية أصبحت تهتم بشكل متزايد بـ:

  • المرونة التشغيلية
  • استمرارية الأعمال
  • الاستدامة
  • تجربة بيئة العمل
  • تحسين أداء الأصول

وهي نتائج لا يمكن تحقيقها بمجرد إعداد جداول المناوبات أو زيادة أعداد الموظفين.

في نهاية المطاف، تُعد إدارة المرافق مُمكّنًا لتحقيق نتائج الأعمال وليست مجرد وسيلة لنشر القوى العاملة.

فالمدخلات مهمة بلا شك، لكنها يجب أن تكون الأساس لا الغاية.

وعلى القطاع أن يتجنب الخلط بين النشاط والأداء، وأن يركز على ما يهم حقًا: بناء بيئات أكثر أمانًا وكفاءة واستدامة ومرونة وإنتاجية.

إن مستقبل مشتريات إدارة المرافق لن يكون لمن يحدد كل مدخل بالتفصيل، بل لمن يحدد النتائج المطلوبة بذكاء ويمنح الشركاء القادرين المساحة اللازمة لتحقيقها.

Scroll to Top